اخر المقالات: تنافس على حماية البيئة أم للسيطرة على الموارد؟ || جسر رقمي للوصول للدعم الاجتماعي || المياه النظيفة و النظافة الصحية || كيف يمكن للطبيعة البشرية محاربة التغيرات المناخية || منطق العمل المناخي الـفَـعَّـال || حلول مستقبلية للتخفيف من الإجهاد المائي بالمغرب || فوائد ريادة الأعمال التصاعدية || انتشار الفيروس في المرة القادمة || الصحة العالمية، الإصلاح أو الثورة؟ || الطرح المناخي الجديد || دَقّت ساعة الحساب المناخي || التربية والتعليم من أجل التنمية المستدامة: في ضوء النموذج التنموي الجديد || مشروع إحياء بحيرة “ضاية عوا”،نحو مقاربة مندمجة ومستدامة || جيل الإصلاح: إصلاح النظم الإيكولوجية من أجل السكان والطبيعة والمناخ || الاستثمار في البيانات يُنقذ الأرواح || خفِّف من الهدر، تزداد مكاسبك || تقييم جديد للمنظمة الدولية للهجرة || نحن جزء من الحل || إنجازات المنظمة العربية للتنمية الزراعية لتنمية قطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور || جائزة الحسن الثاني للبيئة في دورتها الثالثة عشرة ||

آفاق بيئية : سانا مارين

يُـعَـد تغير المناخ وخسارة التنوع البيولوجي من أكثر التحديات إلحاحا في عصرنا، ولهذا يتعين على كل القادة السياسيين المسؤولين أن يقترحوا سياسات طويلة الأمد لمواجهة مثل هذه التحديات بفعالية. نحن في احتياج إلى استراتيجيات واضحة تستند إلى أهداف قابلة للتحقيق، ويتعين علينا أن نتحلى بالجرأة في توظيف جميع الوسائل المتاحة لنا. وعلى وجه الخصوص، يجب أن تضع أي استراتيجية مناخية جديرة بالثقة الإبداع التكنولوجي في الحسبان.

Windfarms set on deserted islands are photographed on July 29, 2017 near the Aland Islands, an autonomous archipelago belonging to Finland, half way between Finland and Sweden in the Baltic sea. / AFP PHOTO / OLIVIER MORIN (Photo credit should read OLIVIER MORIN/AFP via Getty Images)

تضع فنلندا نصب عينيها هدف تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2035، وسلبية الكربون (إزالة مقادير من الكربون أكبر من تلك التي تطلقها إلى الغلاف الجوي) بعد ذلك بمدة قصيرة، وهذا يجعل أهدافها بين الأكثر طموحا في العالم. يسعى بلدي إلى حمل لواء الريادة بين الاقتصادات المتقدمة، ليس بخفض الانبعاثات وحسب، بل وأيضا من خلال الدفع باقتصاد دائري يركز على الاستدامة والقضاء على الهدر وتبديد الموارد. تتمثل خطتنا في مضاعفة كفاءة مواردنا ومعدل دورانها (نسبة كل المواد التي يُـعاد استخدامها في الاقتصاد) بحلول عام 2035.

هذه هي المعالم الرئيسية على الطريق الذي سنصبح بالسير عليه أول دولة تحرر ذاتها من الاعتماد على الوقود الأحفوري. لكن تحقيق الأهداف المناخية أمر مستحيل في غياب أساليب أفضل للحفاظ على مواردنا الطبيعية القيمة. وسوف يلعب الاكتشاف العلمي، والتكنولوجيات الجديدة، والإبداع، دورا عظيم الأهمية في أي حل طويل الأمد.

ولكن أولا، يتعين على جميع القادة الوطنيين أن يدرسوا عن كثب الكيفية التي يعتزمون من خلالها المباعدة بين بلدانهم والوقود الأحفوري. يجب أن يكون التركيز على زيادة استخدام مصادر الوقود والطاقة التي لا تعرض التنوع البيولوجي للخطر. يجب أن نشجع الاستعانة بأشكال الوقود التي تلتزم بمعايير الاستدامة الصارمة والتي تقلل الانبعاثات طوال دورة حياتها.

على سبيل المثال، يمكن استخدام المنتجات الثانوية المصاحبة لاستخدام وقود الكتلة الحيوية لتصنيع منتجات عالية الجودة مثل المنسوجات ومواد البناء، وبالتالي حماية التنوع البيولوجي عن طريق تقليل الطلب على الموارد التي نحصدها من غاباتنا. وتفتح تكنولوجيات تحويل الطاقة (“Power-to-X”) الباب لمجموعة متنوعة من العمليات التي تحول الكهرباء إلى حرارة، أو هيدروجين، أو وقود اصطناعي.

بالمزيد من الاستثمار والإبداع، من الممكن أن تسمح لنا هذه التكنولوجيات بمفارقة الفحم والنفط والغاز الطبيعي إلى الأبد، من خلال إتاحة إمكانية إنتاج الوقود الاصطناعي من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المحتجزة. وهنا، من الممكن أن نبدأ بغازات المداخن الصناعية الحالية المتولدة عن الصناعات القائمة على الموارد البيولوجية المتجددة، وأفران الأسمنت، ومحارق النفايات الصلبة. ولكن في القريب العاجل، سيصبح من الممكن تطوير تكنولوجيات جديدة لتسخير مصادر للكربون أقل تركيزا، مثل تجميع هواء العادم من مباني المكاتب أو حتى عن طريق التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة.

والتجارب جارية بالفعل. فباستخدام الهيدروجين الناتج عن التحليل الكهربائي، من الممكن توظيف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المنشآت الصناعية وثاني أكسيد الكربون المحتجز من الهواء مباشرة كمصادر للوقود الاصطناعي السائل والغازي لاستخدامات النقل البري والبحري والجوي المحايد كربونيا. تنتج هذه الطرق الميثانول الاصطناعي كمنتج وسيط، والذي يمكن بعد ذلك تحويله إلى بنزين وكيروسين وديزل. بقدر ما قد يبدو هذا التصريح غريبا، فإننا لسنا بعيدين عن القدرة على إنتاج الوقود من لا شيء.

قد تبدأ هذه التكنولوجيات والعمليات الجديدة بأسعار باهظة. ولكن كما رأينا مع الألواح الشمسية وخلايا الوقود، تميل تكاليف أي تكنولوجيا جديدة إلى الانخفاض الشديد بمجرد أن يبدأ استخدامها في التوسع. علاوة على ذلك، تتطور أسواق تكنولوجيات أخرى جديدة رحيمة بالبيئة بسرعة، وإن كانت متباينة في العمق والنطاق، اعتمادا على مستوى الدعم الحكومي (من خلال تدابير مثل المزج بين الضوابط التنظيمية الخاصة بتسعير الوقود والكربون).

على سبيل المثال، تتطلب التكنولوجيات الجديدة الواعدة القائمة على الهيدروجين زيادة هائلة في إنتاج الكهرباء الخالية من الوقود الأحفوري من أجل تحقيق اقتصاد الحجم الكبير. لكن من الممكن تلبية هذا الاحتياج من خلال التوسع في استخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وهما بالفعل أقل الخيارات تكلفة لتوليد الطاقة في العديد من أجزاء العالم.

الواقع أن التكنولوجيات الجديدة ستعمل على تمكين تحول كبير نحو وسائل النقل التي تستخدم أشكال الوقود المستدامة في العديد من البلدان المتقدمة والنامية. لن تسمح لنا هذه التكنولوجيات بتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية وحسب، بل ستعمل أيضا على وضع العديد من الصناعات على المسار لتصبح سلبية الكربون في المستقبل.

لكن التكنولوجيا لن تحل لنا أزمة المناخ. نحن في احتياج أيضا إلى خلق البيئة السياسية المناسبة. وسوف يكون رفع أسعار الكربون أحد مكونات التحول الأخضر الرئيسية، وهذا يتطلب التنسيق والدعم على المستوى الدولي. وسوف يشكل التوصل إلى اتفاق على معايير مستدامة لآليات سوق الكربون خطوة مهمة إلى الأمام. ويجب على الحكومات أن تبذل المزيد من الجهد لدعم التغيرات البنيوية من خلال الأطر التنظيمية والحوافز المالية.

يتطلب الابتعاد عن الوقود الأحفوري تحولا هائلا في إنتاج الطاقة والعمليات الصناعية. وحتى في هذه الحالة، سيكون من اللازم بذل قدر كبر من الجهد والعمل لتطوير اقتصاد دائري وأخضر حقيقي. سوف تتباين احتياجات البلدان المختلفة والميزات التي تتمتع بها. لكن أفضل الحلول ستكون تلك التي يمكن توسيع نطاقها في البلدان الصناعية والنامية على حد سواء.

الخلاصة هي أن الانبعاثات العالمية يجب أن تبلغ ذروتها قريبا إن كنا راغبين في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات وتجنب الكوارث المناخية في المستقبل. ولابد من تطوير المجموعة الكاملة من التكنولوجيات الجديدة الواعدة وتحسينها ونشرها على مستوى العالم إذا كان لنا أن نتمكن من إنشاء اقتصاد عالمي دائري محايد مناخيا بشكل كامل.

بروجيكت سنديكيت –  ترجمة: مايسة كامل

سانا مارين هي رئيسة وزراء فنلندا

 

اترك تعليقاً