اخر المقالات: كيف يمكن للديمقراطيات التغلب على الوباء؟ || معالجة تغير المناخ مع أزمة جائحة كوفيد 19 || قطبان على حافتي المحيط || الآثار السياسية للجائحة || تعزيز المرونة اتجاه كوفيد-19 || الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تكيف اشغالها مع جائجة كورونا COVID-19 || انخفاض أسعار الغذاء العالمية في مارس || بلاغ جمعية النادي المغربي للبيئة والتنمية حول جائحة فيروس كورونا || التحقق من الأمن الغذائي في زمن فيروس كورونا المستجد || مرسوم قانون يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها || تخفيف آثار كوفيد-19على تجارة الأغذية والأسواق || تكنولوجيا نووية تقي المغرب من الحمى القلاعية || كوفيد 19..المغرب يقطع الشك باليقين في مسألة الكلوروكين || نحو تخفيف أعباء ديون أشد البلدان فقرا || جائحة كوفيد-19 تؤثر على النظم الغذائية في جميع أنحاء العالم، ولا يوجد بلد محصن || وجوب مبادرة خضراء جديدة بعد الوباء || هل سينجح حظر استهلاك الحيوانات البرية في الصين؟ || تسطيح منحنى مرض فيروس كورونا 2019 في البلدان النامية || الأزمة والمقارنة المضللة || ماذا يتعين على مجموعة العشرين أن تفعل ||

 

آفاق بيئية : أمبرواز فيول * 

يفرض تغير المناخ خطرا يهدد وجود البشرية، وهو لهذا يمثل نمطا سيئا من أنماط تعطيل الأنظمة القائمة. لكن تغير المناخ من الممكن ــ بل ويجب ــ أن يُحارَب بنوع آخر مفيد من التعطيل: الإبداع. منذ زمن الثورة الصناعية، عمل الإبداع المعطل للأنظمة والقواعد القائمة على توليد النمو، وخلق الوظائف، وفتح مجالات جديدة للاستثمار. وهو كفيل، في حالة تغير المناخ، بإنقاذ البشرية، من خلال التعجيل بإتمام الجهود العالمية الرامية إلى الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي. الواقع أن الإبداع عنصر بالغ الأهمية لتحقيق الانتقال الناجح إلى اقتصاد أخضر لا يسمح بتخلف أحد عن الركب. وفي غيابه، تتضاءل الفرصة المتاحة لتحقيق استدامة حقيقية.

والبديل، بطبيعة الحال، لا يمكن تصوره. لفهم حجم التهديد الذي يفرضه تغير المناخ إذا تقاعسنا عن العمل، علينا أن نتأمل أين نحن اليوم. لقد ارتفع بالفعل متوسط درجات الحرارة على كوكب الأرض بما يقرب من درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الصناعة، بسبب تراكم الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي في الغلاف الجوي؛ وقد حدث ثلثا هذه الزيادة منذ عام 1975. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يرتفع متوسط درجات الحرارة على كوكب الأرض بمقدار 4 درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن.

إذا لم تر في هذا أمرا جللا، فتذكر أن مناخنا هش. وأي تغيير بسيط في درجات الحرارة من شأنه أن يُفضي إلى مشاكل كبيرة. عندما كان متوسط درجات الحرارة 4 درجات أقل من مستويات ما قبل الصناعة، كان قسم كبير من أوروبا مدفونا تحت عدة كيلومترات من الجليد. ولنتخيل فقط كيف قد يبدو العالم بعد أن يصبح أكثر دفئا بمقدار 3 درجات مئوية فوق مستويات اليوم.

أنا على يقين، رغم ذلك، من وجود أفكار فعّالة وكفيلة بتعطيل الأنظمة القائمة. على سبيل المثال، من الممكن أن تفتح مزارع الرياح العائمة الطريق لاستغلال طاقة الرياح النظيفة لصالح عشرات البلدان التي تُعَد مياهها الساحلية أكثر عمقا من أن تصلح للمنشآت البحرية التقليدية. كما تَعِد التطورات في التكنولوجيات القائمة على البكتيريا المضيئة حيويا التي تتغذى على النفايات بإضاءة شوارعنا ومصانعنا. ولتطبيق هذه الحلول على نطاق واسع، يتعين علينا أن نضع المزيد من التمويل في الأيدي المناسبة. كما نحتاج إلى تشجيع الصناعات على ملاحقة المزيد من الإبداع والاختراقات التكنولوجية المتقدمة. على سبيل المثال، أنشأ بنك الاستثمار الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، ومؤسسة مشاريع الطاقة المتقدمة (Breakthrough Energy Ventures) صندوقا بقيمة 100 مليون يورو (110 مليون دولار أميركي) في عام 2019 لدعم الاستثمار المعطل للأنظمة القائمة في مجال الطاقة النظيفة.

ويجب أن يحدث التعطيل الإبداعي بسرعة. تشير تقديرات هيئة الطاقة الدولية إلى أن سبعة فقط من أصل 45 من تكنولوجيات وقطاعات الطاقة التي جرى تقييمها في أحدث تقاريرها لتتبع التقدم في استخدام الطاقة النظيفة تتقدم على المسار الصحيح نحو تلبية سيناريو التنمية المستدامة، بما يتماشى مع الالتزامات العالمية المنصوص عليها في اتفاق باريس للمناخ لعام 2015. وعلى هذا فإن السؤال بالنسبة لكل صناع السياسات، وشركات التكنولوجيا، والمسؤولين التنفيذيين، ورواد الأعمال يصبح: إلى أين نذهب من هنا؟

يُطالِب المواطنون في مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي وحول العالم باتخاذ التدابير اللازمة للتصدي لتغير المناخ. ويتغلغل هذا الوعي المتزايد بمخاطر المناخ إلى المناقشة العامة. علاوة على ذلك، اقترحت المفوضية الأوروبية، بقيادة رئيستها الجديدة أورسولا فون دير لاين، صفقة خضراء أوروبية لإدراج أهداف حيادية الكربون بحلول عام 2050 في القانون، بهدف تحويل أوروبا إلى رائدة في مجال الاقتصاد الدائري وتكنولوجيات المستقبل النظيفة. وبوسع أوروبا أن تجني فوائد اقتصادية كبيرة باعتبارها المحرك الأول للعمل المناخي.

ولكن يتعين على الصناعات الأوروبية أن تُظهِر أولا أنها تريد أن تكون جزءا من هذا الجهد. ويجب عليها أن تبدع، وأن تعمل على خلق حلول جديدة، وتقديم منتجات جديدة إلى السوق، والعمل على تطوير تكنولوجيات متقدمة. والحاجة ماسة إلى الاستثمارات الكفيلة بدفع تكلفة التكنولوجيات الجديدة إلى الانخفاض، وزيادة كفاءتها، ودعم أوائل المنتقلين إلى مصادر الطاقة النظيفة، وإنشاء أسواق جديدة.

بطبيعة الحال، حتى لو كان القطاع الخاص ملتزما بالكامل بالعمل المناخي، فلا يستطيع قادة الأعمال أن يتجاهلوا هامش الربح. إن وضع الأموال في تكنولوجيات ونماذج أعمال جديدة لا يخلو من مخاطرة، والنتائج ليست مضمونة على الإطلاق.

هنا تستطيع بنوك الاستثمار العامة أن تضطلع بدور أساسي. بصفته بنك المناخ الأوروبي والقائد العالمي في مجال التمويل الأخضر، يعتزم بنك الاستثمار الأوروبي توسيع دعمه لانتقال أوروبا إلى الاقتصاد المستدام الخالي من الكربون. وعندما يتعلق الأمر بالإبداع، تستطيع المؤسسات مثل بنك الاستثمار الأوروبي أن تتبنى منظورا طويل الأجل غير متاح دائما للقوى الفاعلة في القطاع الخاص. فمن خلال تقليل المخاطر وتمكين مسارات تكنولوجية متعددة، يصبح بوسعنا أن نخلق فرصا خضراء لجميع القطاعات.

الواقع أن تحديد المشروعات الخضراء الواعدة وتوجيه رأس المال نحوها من التحديات الكبرى. ولكن من خلال عملها كحاضنات، تستطيع بنوك التنمية مثل بنك الاستثمار الأوروبي تعبئة القطاع الخاص وراء هذه الاستثمارات. ومن خلال تقديم الأدوات المالية المبتكرة، والتجربة، والخبرة لشركاء الاستثمار في مختلف أنحاء العالم، تستطيع المؤسسات العامة أن تعمل على تمكين المستثمرين، ورواد الأعمال، والشركات الكبرى من التصدي لتحدي المناخ.

في ذات الوقت، لا ينبغي لنا أن ننسى أولئك الذين سيلحق بهم القدر الأعظم من الأذى من جراء تغير المناخ، أو أولئك الذين قد يتخلفوا عن الركب في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون. ولضمان الانتقال العادل، يتعين علينا أن نعمل على زيادة الدعم للمناطق والمجتمعات المعرضة للخطر. ويجب أن يشمل دعم الإبداع أيضا مساندة التعليم والتدريب، حتى يتسنى للجيل القادم أن يكتسب المهارات اللازمة للمساهمة في الاقتصاد المنخفض الكربون. وينبغي لنا أن نعمل على رعاية مواهب الشباب وذكائهم، لأنهم هم الذين سيتولون تطوير التكنولوجيات وخلق الوظائف اللازمة للمستقبل.

سوف يعمل بنك الاستثمار الأوروبي عن كثب مع الشركات الأوروبية وغيرها من الشركاء في مختلف أنحاء العالم لتحفيز الإبداع المعطل للأنظمة والقواعد القائمة. يقدم الاقتصاد الأخضر مسارات عديدة للمستثمرين والشركات، وينبغي للمؤسسات المالية الدولية على مستوى العالم أن تعمل على تمهيد الطريق نحو المزيد من الفرص.

بروجيكت سنديكيت -ترجمة: مايسة كامل   

أمبرواز فيول نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي      

 

اترك تعليقاً